أمنيات لمدينة عمان في سنة 2018

This article is also available in English.
 

Wishlist 2018 copy.jpg

مقدمة

طلب فريقنا في مركز دراسات البيئة المبنية في السنة الفائتة من ثلاثة مختصين متميّزين في مواضيع مرتبطة بالبيئة المبنية، هم مريم عبابسة وحازم زريقات وعمّار خماّش، بأن يشاركونا آرائهم وأفكارهم عن التطوّرات التي يودون رؤيتها في عام 2017 بخصوص بيئة عمّان المبنية، وخاصةً كوْن عمّان تواجه تحديات هائلة تتعلّق بأمور تتضمن - ولكن لا تقتصر على - الأزمات المرورية، والبنية التحتية والمرافق الحضرية، والقدرة على إقتناء السكن.

وقد أرتأينا أن نواصل هذه المبادرة في عام 2018، ولذلك طلبنا من ثلاثة زملاء آخرين نحترمهم ونقدرهم، هم رنا بيروتي وأحمد حمّيض وفاروق يغمور، أن يقوموا بنفس التمرين الفكري لهذا العام. وفي ما يلي ما قدموه ...
رنا بيروتي
معمارة، منسقة مَعارض فنية، ومبرمجة ثقافية
المديرة المشاركة، أسبوع عمّان للتصميم

إن نمو عمّان السريع لطالما استدعى الحاجة إلى الإصلاح. وإن التنبؤات المستقبلية لنموها السكاني غير مطمئنة، خاصة فيما يتعلق بأمور مثل تأمين السكن ذات الأسعار المقدور عليها والكثافة الحضرية اللازمة لإستيعاب عدد سكان المدينة المتنامي.

وبالرغم من هذه المتطلبات، إلا أن عمّان أصبحت على مدى السنوات الماضية مكاناً لتجمّع الزوايا المهجورة والمساحات المهملة والمباني غير المأهولة التي تخلو من المحتوى والحياة. وفي الوقت ذاته، شهدت المدينة أيضاً تراكماً غير ضروري للمشاريع السكنية الفاخرة والفنادق ذات الخمس نجوم والمناطق التجارية التي يصعب الوصول إليها والتي نجدها خالية من الناس في الكثير من الأوقات، خاصة خارج نطاق ساعات العمل.

ينبغي من أجل تمهيد الطريق لتحقيق توازن بين الكثافة وإمكانية العيش في المدينة أن نستفيد من الفرص المتاحة في المساحات الصغيرة في المدينة بحيث يمكن إدخال تنظيم متعدد الإستخدامات للأراضي يكون أكثر ملائمةً لمتطلبات المدينة وسكانها، ويتبنّى الإكتفاء الذاتي في الأحياء، ويقلل من الحاجة المفرطة للطرق السريعة والتنقل عبر المدينة وأيضاً يقلل من التأخيرات الناتجة عن الإزدحامات المرورية.

هناك حاجة إلى نقلة في سياسات إستخدام الأراضي في عمّان، مع التركيز على التدخلات صغيرة النطاق التي تقودها المجتمعات المحلية والتي تعمل على تحسين وتطويرالأحياء القائمة، وعلى تحويل المساحات المتاحة والمناسبة في المدينة إلى فراغات عامة.

إن الفراغات العامة الخضراء تواجه بكفاءة الآثار المُقيِّدة لهواء مدينتنا الكثيف وطرقها السريعة المزدحمة. إن هذه الفراغات لا تقوم فقط بتنقية هوائنا، بل أيضاً تقاوم حرارة الصيف ورياح الشتاء، وتُجمّع المياه وتُضفي اللون على مدينتنا وتحسّن من صحة ورفاه مواطنيها، وتكوّن تماسكاً إجتماعياً، وتوفر نظاماً بيئياً يمكن للثقافة أن تزدهر فيه.

إن الناس يحتاجون إلى المتنفّسات - الفراغية والثقافية منها. وإن الفراغات العامة ذات الصبغة المحلية ومبادرات الزراعة الحضرية والحدائق المجتمعية جميعها رئات للمدينة. إننا نحتاج إلى الكثير منها، ويجب أن تقع جميعها ضمن مسافات من منازلنا قابلة للمشي. إن المشاركة عنصر أساسي في تطوير هذه الفراغات، كما هو الحال مع تمكين المجتمعات. إن إتخاذ المجتمعات لدور فعّال في في بناء ملاذاتهم والسّماح للأفكار الإبداعية بالإمتداد في زوايا المدينة تؤدي إلى نمو شعور أقوى بملكية المدينة. ما أقترحه هو طريقة جديدة للنظر إلى المدينة: دراستها على أنها سلسلة من المساحات أو الفراغات بدلاً من تزاحم للمبان أو الكتل؛ وتصميمها من الخارج إلى الداخل، وتصميم العام قبل الخاص مع إعطاء البنية التحتية والمساحات المشتركة الصدارة على فرز الأراضي ومحاولة جذب الإستثمارات.

أتمنى في عام 2018 أن تبدأ عمّان بكتابة قصتها الخاصة؛ قصة ذات رؤية كبيرة تتضمن تدخلات دقيقة؛ قصة تتحرك ببطء وبثِقل ومن خلال دراسة جدية وتأمل؛ وقصة تأخذنا في عملية خروجٍ من الفوضى وتنظيفٍ يخلّصنا مما تراكم ويوفر مساحة كافية لنا جميعاّ.
أحمد حميض
معمار، ومصمم، وناشط تصميمي
المدير التنفيذي، سنتاكس

"يعاقب بغرامة لا تقل عن خمسة آلاف دينار ولا تزيد عن خمسين ألف دينار كل صاحب عقار يقوم ببناء رصيف أو ممر خارجي من مادة "مزحلقة." وفي حال تكرار المخالفة، تكون العقوبة بالحبس لمدة لا تقل عن شهر ولا تزيد عن ستة أشهر".

هذا القانون، بكل بساطة، هو أمنيتي لتحسين مدينة عمّان في عام ٢٠١٨! نعم، كان بإمكاني تمنّي إنجاز نظام عصري للنقل العام، أو مضاعفة عدد الحدائق العامة أو وقف زحف عمّان على الأراضي الزراعية. لكنني في ٢٠١٨ أكتفي بأمنيتي المضادة للزحلقة.

أعترف أن هذا القانون قد يكون سابقا لأوانه. فقد نكون بحاجة لسن قوانين لإيجاد أرصفة أصلاً قبل أن نسن قوانين ضد "الزحلقة" عليها. وماذا عن قوانين لحماية الأرصفة القائمة من تحوّلها إلى مصفّات للسيارات، أو خلوّها من الحفر والحواف "المعرقلة" وأعمدة شركة الكهرباء والهاتف والسرو الإيطالي.

ثم ماذا عن تعارض هذا القانون مع "العادات والتقاليد الأردنية الأصيلة وثقافة المجتمع التي توارثناها أبا عن جد"؟ إن هذا إعتراض وجيه بلا شك. فالرخام المصقول والبلاط المجلي والسيراميك الناعم كلها مواد تعكس ثقافتنا التي تضع الزركشة والفخفخة والوجاهة على رأس سلّم الأولويات المجتمعية. ومن أكون أنا لحرمان العمّانيين من "حقهم المكتسب" في إستخدام هذه "المواد الفخمة" لإكساب أرصفة بيوتهم ومداخل عماراتهم السكنية والتجارية ومحلاتهم التجارية ذلك البريق و"الرونق".

مع كل ذلك، ما أزال مصراً على أمنيتي. وأتمنى ان تضرب السلطات المختصة بيد من حديد على كل من "تسول له نفسه" إستخدام الرخام الايطالي او السيراميك الصيني لبناء رصيف.

مع كل ذلك، ما أزال مصراً على أمنيتي. وأتمنى ان تضرب السلطات المختصة بيد من حديد على كل من "تسول له نفسه" إستخدام الرخام الايطالي او السيراميك الصيني لبناء رصيف.
لكن لماذا هذا الإصرار؟ ولماذا كل هذا العداء للنعومة واللمعان؟

أولاً: الرصيف مكان للمشي. تخيلوا!
ثانيا: السماء في عمّان تمطر في الشتاء. وأحيانا تتساقط الثلوج. وأحيانا تحدث إنجمادات.
ثالثا: يقوم حارس العمارة بشطف الرصيف ومدخل العمارة بالمياه كلما سنحت له الفرصة.
رابعا: أمك أو أختك وربما حتى جدتك وأحياناً أباك أو عمك - أو حتى أنت شخصياً - كلكم معرضون للإنزلاق والتزحلق وأن تسقطوا وتكسروا ظهوركم على الرخام والبلاط والسيراميك المبلل أو المغطى بالجليد شبه الذائب.
خامسا: حياة المواطنين وسلامتهم أهم من ثقافة الفخامة واللمعان والزركشة. أسباب واضحة ومنطقية تماماً. أليس كذلك؟ لكنها لا تجد طريقها إلى عقول الكثيرين منّا.

أجد نفسي دائما أرجع للرصيف وثقافته حين التفكير بواقع ومستقبل عمّان. وأقول: سنصبح مدينة مثل "العالم والناس" حينما نخرج من حالة "الإستثناء الأردني" في تصميم أبسط عناصر الفضاء العام وهو الرصيف. لم أرى أرصفة مزحلقة إلا في عمّان. سنصبح مواطنين حقيقيين حينما نمشي على أرصفة مرصوفة بمواد ذات خشونة مناسبة ومواصفات موحدة. رصيفك أخي صاحب العقار / أختي صاحبة العقار ليس مكاناً لإستعراض ذوقك الرخامي ولا مقدرتك المالية. وحتى ممرات حديقتك لا يفترض أن تكون حراً فيها. ألا يفرض الدفاع المدني إجراءات كثيرة على أصحاب العقارات لضمان سلامة مستخدمي المباني؟ حسناً.. فليتم فرض قانون منع الزحلقة بنفس المنطق.

هذا القانون سيفعل فعله للعمّانيين، خاصة حينما يرون المهدّات والشواكيش وهي تهشم أرصفة المخالفين الذين سيسارعون لتغيير أرصفتهم لتفادي الغرامة.. أو السجن!

اذا لم نستطع كمجتمع يدّعي التحضر من الوصول بالتراضي والمنطق ومن محض إرادتنا ومن أجل سلامتنا المشتركة الى أرصفة سليمة وغير مزحلقة، فلا حل إلا بسلطة القانون.

أتفائل حينما أرى أن أمانة عمّان استطاعت فرض رصيف "خشن" موحّد في شارع الخالدي في قلب الحي الطبي. وأتشائم حينما أفكر بضآلة إحتمال تبني مجلس النواب لقانون منع الزحلقة (هل عند مؤسسة "راصد" إحصائية عن عدد النواب الذين يسكنون في "فلل" ذات أرصفة مزحلقة؟)، وحتى لو تم إقراره، تبقى مشكلة "بسيطة" وهي إمكانية تطبيقه على الجميع بالتساوي.. لكن الحديث لا يتسع لهذا الموضوع (كما لا يتسع الرصيف للسرو الإيطالي).
فاروق يغمور
معمار ومخطط
المدير العام، يغمور معمارون ومهندسون مستشارون

واجهَت عمّان العديد من الضغوطات السياسية والإقتصادية والإجتماعية خلال السنوات القليلة الماضية. أود أن أرى عمّان ‏تستعيد توازنها في جميع المجالات خلال السنوات القادمة، وبالرغم من أنني لا أريد أن أُثقل كاهل هذا العام بالآمال والتطلعات الكبيرة، أتمنى أن ‏تتمكّن عمّان من البدء بعملية التعافي ودخول مرحلة جديدة من تطويرها خلال عام 2018.‏

‎على المعنيين بعمّان من جميع التخصصات أن يجلسوا معاً ويضعوا أهدافاً لخدمة سكانها أولاً، ومن ثم المدينة؛ وأن يعملوا على إعادة ‏الهيكلة للوصول للتطور التدريجي.‏ ‎يجب إعادة النظر بمخطط المدينة الشمولي وتحديثه. كما ان بعض الحلول البسيطة والمباشرة التي تشمل توفير ‏الأرصفة المناسبة للمشاة والأماكن الحضرية العامة والحدائق الخضراء ستسمح للمدينة ولسكانها بـ "التنفس." علاوة على ذلك، ‏فإن المعالجة الفعالة لقطاع النقل العام ستكون الحل الوحيد لمشاكل المدينة اليومية المتعلقة بالإزدحام المروري والتلوث والشبكة ‏الحضرية المتفككة.‏

‎بالإضافة لذلك، فإن إيجاد حلول تستجيب لعصرنا الذي يتصف بالتغيّر السريع والدائم ستزوّد المدينة بقاعدة إقتصادية جديدة تتيح ‏فرص عمل جديدة للأجيال القادمة.‏ ‎لذا، أتمنى لهذا العام أن يكون عام تفكير وبحث وتأمل؛ وعام إعادة النظر في أولويات المدينة بوضوح، ومن خلال ‏قاعدة شاملة للمشاركة الشعبية.‏